محمد متولي الشعراوي
746
تفسير الشعراوي
الأمر « الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى » . إذن فالحق هنا يواجه قضية تصعيدية في الأخذ بالثأر ، ويضع منهجا يحسم هذه المغالاة في الثأر . وفي صعيد مصر ، ما زلنا نعانى من الغفلة في تطبيق شريعة اللّه ، فحين يقتل رجل من قوم فهم لا يثأرون من القاتل ، وإنما يذهبون إلى أكبر رأس في عائلة القاتل ليقتلوه . فالذين يأخذون الثأر يريدون النكاية الأشد ، وقد يجعلون فداء المقتول عشرة من العائلة الأخرى ، وقد يمثلون بجثثهم ليتشفوا ، وكل ذلك غير ملائم للقصاص . وفي أيام الجاهلية كانوا يغالون في الثأر ، والحق سبحانه وتعالى يبلغ البشرية جمعاء بأن هذه المغالاة في الثأر تجعل نيران العداوة لا تخمد أبدا . لذلك فالحق يرد أمر الثأر إلى حده الأدنى ، فإذا قتلت قبيلة عبدا فلا يصح أن تصعد القبيلة الأخرى الأمر فتأخذ بالعبد حرا . إذن فالحق يشرع أمرا يخص تلك الحروب الجماعية القديمة ، وما كان يحدث فيها من قتل جماعي ، وما ينتج عنها بعد ذلك من مغالاة في الثأر ، وهذا هو التشريع التدريجي ، وقضى سبحانه أن يرد أمر الثأر إلى الحد الأدنى منه ، فإذا قتلت قبيلة عبدا فلا يصح أن تصعّد القبيلة الأخرى الثأر بأن تقتل حرا . والحق يشرع بعد ذلك أن القاتل في الأحوال العادية يتم القصاص منه بالقتل له أو بالدية . فقد جاءت آية أخرى يقول فيها الحق : وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 45 ) ( سورة المائدة ) وهكذا يصبح القصاص في قتل النفس يتم بنفس أخرى ، فلا تفرقة بين العبد أو الحر أو الأنثى ، بل مطلق نفس بمطلق نفس . وها هو ذا الحق سبحانه وتعالى يواجه